غولدن غلوب:عندما تتحول الجوائز إلى بوصلة سياسية وثقافية لسباق الأوسكار
تدخل غولدن غلوب نسختها الـ 83، التي تحتضنها بيفرلي هيلز يوم 11 جانفي 2026، وهي مثقلة بالأسئلة: أي سينما تريدها هوليوود؟ وأي خطاب تختاره في زمن الانقسام الأمريكي والتحوّلات العالمية؟ فجوائز غولدن غلوب ليست مجرّد أمسية احتفالية تتلألأ فيها فساتين السجادة الحمراء وتتنافس فيها النجومية، بل باتت، أكثر من أي وقت مضى، مختبرا مبكرا لاتجاهات الأوسكار، ومرآة تعكس مزاج هوليوود الفني والسياسي معا.
وبدا واضحا منذ الإعلان عن الترشيحات، أن هذا الموسم لن يكون عاديا فالأفلام المرشحة لا تكتفي بالحرفية الفنية، بل تغوص عميقا في السياسة، والهوية، والذاكرة، والصراع القائم في العالم اليوم ليتقدّم المشهد بكلّ ثقل فيلم One Battle After Another لبول توماس أندرسون، العمل الذي لا يقدّم حكاية شخصية فحسب، بل يضع إصبعه على جراح أمريكا المعاصرة: الراديكالية، والهجرة، والقومية البيضاء، وتآكل الحلم الأمريكي: ليوناردو دي كابريو، في دور ثائر يساري منهك من الزمن، لا يبدو ممثلا يبحث عن جائزة بقدر ما يبدو شاهدا على لحظة تاريخية.
والمؤكّد أنّ التّرشيحات التسعة للفيلم ليست رقما تقنيا، بل إعلان مبكر بأن هوليوود تميل هذا العام إلى السينما ''القلقة''، السينما التي لا تطمئن جمهورها بقدر ما تثيره وتدفعه نحو التّفكير في واقعه المشتعل: حروب في كلّ الاتّجاهات وصراعات ما انفكّت تهدأ هنا لتندلع هناك.
ورغم الحضور الكاسح لنجوم الصف الأول، من دي كابريو إلى إيما ستون وجينيفر لورانس، فإن السباق لا تحسمه الأسماء وحدها. فتيموثي شالاميه، بفيلم Marty Supreme، يمثّل الجيل الجديد الطامح إلى اقتحام نادي الجوائز الكبرى بلا اعتذارات وبلا أذون أو تصاريح مسبقة من كهنة المعبد الهوليودي، وتصريحاته الجريئة عن رغبته في الأوسكار ليست غرورا بقدر ما هي تعبير عن تحوّل في علاقة النجوم الشباب بالمؤسسة السينمائية إذ لم يعودوا ينتظرون الاعتراف بل يطالبون به بكلّ استحقاق.
السياسة تدخل من الباب الكبير
وفي الفئة الدرامية، يبرز فيلم The Sinners لريان كوغلار، الذي يمزج الرعب بالتاريخ والسياسة،بقوّة، ليستحضر الجنوب الأميركي العنصري في ثلاثينيات القرن الماضي، وترشيحات الفيلم لا تضع مايكل بي جوردان فقط على أعتاب إنجاز تاريخي، بل تفتح الباب أمام احتمال أن تكافئ هوليوود، أخيرا، سرديات طال تهميشها وفوز كوغلار، إن حدث، لن يكون فنيا فقط، بل بيانا ثقافيا.
ولا يقل البعد السياسي وضوحا في ترشيح فيلم الإيراني جعفر بناهي It Was Just an Accident ليؤكّد تحوّل الجائزة المحتملة إلى رسالة تتجاوز السينما، في ظل الحكم الغيابي بالسجن على المخرج داخل بلاده، وهنا غولدن غلوب قد تقول، من دون خطاب مباشر، إن الفن مازال ساحة مقاومة تتحدّى القيود والأحكام.
وتنتظم هذه الدورة بعد تفكيك رابطة الصحافة الأجنبية في هوليوود وإعادة بناء منظومة التصويت: تنوّع النقاد، واتساع الجغرافيا وغيرها من التحديثات جعلت النتائج أقل خضوعا للعلاقات وأكثر اقترابا من السينما العالمية. لكن السؤال يبقى: هل نحن أمام تحوّل جذري أم مجرّد تجميل مؤسسي؟ الإجابة لن تكون في الخطابات، بل في الأسماء الفائزة.
وتقليديا، لا تحسم غولدن غلوب سباق الأوسكار، لكنها ترسم ملامحه الأولى، ففوز أندرسون أو كوغلار، وصعود شالاميه، أو تتويج بناهي، كلّها سيناريوهات تحمل دلالات تتجاوز التماثيل الذهبية، إنّها الصراع الحقيقي بين سينما السوق وسينما الموقف، وبين الترفيه الخالص والفن 'القلق' المثقل بالأسئلة. فغولدن غلوب 2026 ليست ليلة جوائز فقط، بل بروفة كبرى للأوسكار، وامتحان لهوليوود نفسها: هل تختار الراحة أم المخاطرة؟ النجومية أم الفكرة؟ الصورة اللامعة أم الحقيقة المزعجة؟الإجابة ستبدأ الليلة، لكنها لن تنتهي إلا في مسرح دولبي مع الأوسكار في مارس القبل.
الواثق بالله شاكير